ابن ميثم البحراني

193

شرح نهج البلاغة

خمسة ، وهى وجود الشبه بينها وبينهم فالحمل يشبه استعدادهم وتعبيتهم للحرب ، والاتمام يشبه مشارفتهم للظفر ، والإملاص يشبه رجوعهم عن عدوّهم بعد طمعهم في الظفر به وذلك رجوع غير طبيعيّ ولا معتاد للعقلاء كما أنّ الإملاص أمر غير طبيعيّ للحامل ولا معتاد لها ، ثمّ موت القيّم بأمورها وهو زوجها وطول غربتها ، وذلك يشبه عدم طاعتهم له الجاري مجرى موته عنهم وطول ضعفهم لذلك ودوام عجزهم وذلَّتهم بعد رجوعهم لتفرّقهم إلى خوارج ورهم فإنّ موت قيّم المرأة مستلزم لضعفها ودوام عجزها وذلَّتها ، ثمّ كونها قد استحقّ ميراثها البعيد عنها لعدم ولدها وزوجها وذلك يشبه من حالهم أخذ عدوّهم الَّذي هو أبعد الناس عنهم ما لهم من البلاد ، واستحقاقه ذلك بسبب تقصيرهم عن مقاومته . وبهذه الوجوه من الشبه اشبهوا المرأة المذكورة وتمّ توبيخهم من هذه الجهة ، ثمّ أخبرهم على التضجّر من حاله معهم بأنّه لم يأتهم إيثارا للمقام بينهم ولكن سوقا قدريّا اضطرّه إلى ذلك . وصدق . إذ لم يكن خروجه من المدينة الَّتي هي دار الهجرة ومفارقة منزل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقبره إلى الكوفة إلَّا لقتال أهل البصرة ، وحاجته إلى الاستنصار بأهل الكوفة عليهم إذ لم يكن جيش الحجاز وافيا بمقاتلتهم ثمّ اتّصلت تلك الفتنة بفتنة أهل الشام فدامت حاجته إلى المقام بينهم ، وروى ولا حبئت إليكم شوقا بالشين المعجمة . والمقصود الثاني : توبيخهم على ما بلغه من تكذيبهم له ، ومقابلته لهم على ذلك بردّ أحكام أوهامهم الفاسدة في حقّه ، وذمّهم بجهلهم وقصور أفهامهم عمّا يفيده من الحكمة : وهو قوله : ولقد بلغني أنّكم تقولون . يكذّب صورة دعواهم المقولة وقد كان جماعة من منافقي أصحابه إذا أخبر عن أمور ستكون ، أو كانت ثمّ أخبر عنها وأسند ذلك إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم يتحادثون فيما بينهم بتكذيبه فيبلغه ذلك كإخباره عن قصّة الخوارج وما يكون منهم ، وعن ذي الثدية ، وأنّه سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ونحو ذلك من الأمور الغريبة الَّتي تستنكرها طباع العوامّ ولا يعقل أسرارها إلَّا العالمون بل كانوا يكذّبونه بمحضره . روى أنّه لمّا قال : لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم ، واللَّه ما من آية نزلت في